«التربية» من الفصل إلى البعثات
في متابعتها لقضايا وزارة التربية والتعليم وهموم منتسبيها وكوادرها التعليمية، نشرت «الوسط» أمس، مطالبة بعض التربويين الوزارة بالوفاء بوعدها بعدم الاستغناء عن المعلمين الموقوفين أو المحالين للتحقيق بعد نهاية الفصل الدراسي.
التربويون عوَّلوا، في ذلك، على تصريح الوزير ماجد النعيمي في لقائه السابق الذي قرأه عشرات الآلاف من الناس، وأكد فيه عدم استغناء الوزارة عن معلميها، ووصف ما يتم تداوله عن فصل المعلمين واستبدالهم بمعلمين من الخارج بـ «الأقاويل والإشاعات التي لا أساس لها من الصحة». في الوقت الذي تتوالى التساؤلات عن نهاية هذا النفق والإمعان في «التسييس» الذي كانوا يحذورن دائماً منه، وهل سيقتصر العقاب على إنهاء خدمات «المتهمين» بالمشاركة في مسيرات مؤسسات مجتمع مدني، أم سيتم رفعها إلى القضاء.
هذه الإشكالية لا تقتصر على وزارة التربية، بل شملت العديد من الوزارات والشركات العامة والخاصة، بما فيها مجلس الشعب الذي فصل العشرات من موظفيه، وبالطريقة والإجراءات ذاتها. إلا أن خصوصية هذه الوزارة أن الضرر الواقع لن يقتصر على المفصولين وعوائلهم من حيث موارد الرزق، بل سيؤدي إلى خلخلةٍ في سير العملية التعليمية خلال المرحلة المقبلة، ولن يحلها استبدال هؤلاء المغضوب عليهم بمدرسين من الخارج. والهيئات الإدارية بالمدارس هي أعلم بواقع الحال وتجارب الاستبدال، بما فيها قضية المتطوعين، فعند المديرين والمديرات النبأ اليقين فاسألوهم، بعيداً عن التهويلات الإعلامية.
من المؤكد أن «التربية» من الوزارات الأكثر تأثراً بالأزمة، وآثارها ستستمر لسنواتٍ طويلة، لما أصابها من فرز وخلخلةٍ للنسيج الاجتماعي. إلا أن هموم الوزارة لا تقتصر على عمليات الفصل الأخيرة، بل تتعداها إلى ما يجري من عمليات فرز في مجال البعثات. ففي أول بادرة من نوعها اعتمدت الوزارة نظاماً جديداً لتعيين البعثات، بتحديد 60 في المئة للتحصيل العلمي، و40 في المئة لأداء الطالب في المقابلة. وهي طريقة أقل ما يقال إنها بدعة، وحرامٌ أن يُترك مستقبل طالبٍ اجتهد 12 عاماً ليصبح مصيره بيد لجنةٍ تحدِّد مستقبله وإلى الأبد خلال عشر دقائق. لو حدث شيء من ذلك الحيف لأيٍّ منا، بمن فيهم أعضاء لجان الوزارة أنفسهم، فلن ينساه للوزارة مادام حياً.
إن الوزارة التي كانت تتلقى الكثير من الشكاوى والتظلمات على توزيع البعثات في الأعوام السابقة، ستصبح أكثر عرضة للانتقادات مع هذه الطريقة الشاذة والغريبة في توزيع الاستحقاق العلمي. فليس هناك بلدٌ عربيٌ غنيٌ أو فقيرٌ يضع للمقابلة مثل هذه الأهمية، لتحديد الحصول على بعثةٍ أو منحةٍ دراسية. حتى في منظومتنا الخليجية لا يؤخذ ولن يؤخذ بهذا الإجراء المبتدع، مهما قدَّمت لتمريره من تبريراتٍ من قبيل الحرص على الجودة، فأي جودةٍ يمكن أن يحققها نظام توزيع للبعثات يفتقر إلى أدنى درجةٍ من الصدقية والشفافية.
كانت الصحافة تعج لسنواتٍ بالكثير من الشكاوى والتظلمات فيما يخص البعثات والترقيات، فضلاً عن المقالات في صفحات الرأي، والشكاوى في بريد القراء. كل ذلك يثبت وجود خلل كبير ومصادر حقيقية للشكوى، فكيف إذا تُرك الأمر للجان داخلية تعمل في عجلةٍ من أمرها، وتتخذ قراراتٍ متسرعة في ظل أجواء متوترة، بما سيؤثر حتماً على مصير ومستقبل آلاف الخريجين الجدد.
إن تمرير مثل هذه الطريقة غير الشفافة في توزيع البعثات، سيحمل الكثير من السلبيات وسيثير المزيد من الشكوك، فيما يعتبر مخالفة للقوانين والإجراءات المتعارف عليها منذ عقود في الدول الخليجية والعربية على السواء. فلا يمكن تبرير إعطاء نسبة 40 في المئة للمقابلة الشخصية، فالخريج الجديد متقدمٌ لمواصلة دراسته الجامعية وليس لشغل وظيفةٍ، وسلاحه في ذلك هو التحصيل العلمي. كل الجامعات في العالم تسأل عن النسبة المئوية ومعدل تحصيل الطالب التراكمي، ولا تسأل عن صفاته الشخصية أو آرائه ومعتقداته، حتى تبدأ الوزارة هذا العام بهذا النهج الغريب العجيب.
إن أخشى ما يخشاه المراقبون ما ستتركه هذه الطريقة المستحدثة من أثر سلبي على صورة الوزارة وحياديتها وصدقيتها في توزيع البعثات، وفق معايير معروفةٍ ومتعارفٍ عليها وطنياً. والأهم ألا تتحوّل الوزارة التي كانت مصهراً كبيراً لبناء اللحمة الوطنية، إلى أداة لتذويب روح الانتماء الوطني. والله والوطن ومستقبل أبنائه من وراء القصد
قاسم حسين
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 3210 - الأربعاء 22 يونيو 2011م الموافق 20 رجب 1432هـ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق